يوسف المرعشلي

1223

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وقد طلب من شيخه الكتاني أن يسلكه في الطريق فقال له : « أهل العلم الذين يشتغلون بالعلم فليبقوا على طريقتهم » . اهتم أول نشأته باللغة والشعر والأدب ، ثم تحول اهتمامه إلى العلوم الشرعية ، ونبغ فيها ، ثم كانت له مع زملائه حلقات يومية إلى جانب تجارته يجتمع بهم في المساجد ، أو في البيوت ، من هؤلاء الذين لم يكونوا يفترقون الشيخ عارف الدوجي ، وابن عمه الشيخ توفيق الدوجي ، والشيخ كامل القصار ، والشيخ عبد القادر المبارك ، والشيخ محمود ياسين ، وغيرهم ، يتدارسون العلم ويهتم هو خاصة بعلمي التفسير والحديث . جمع مكتبة عظيمة حوت كتبا نفيسة ، وآثارا خطية نادرة احترقت كلها في الثورة السورية في الحريق الكبير الذي شبّ بحي سيدي عامود ( حي الحريقة اليوم ) ، لكنه ما لبث أن عوّضها ، جامعا فيها كتب الحديث والرجال واللغة والأدب والفقه والتفسير وسائر العلوم ، وفيها ما طبع بالهند أو بأوروبا . اعتمد في تجارته ( ودكانه ومستودعه في سوق مدحة باشا بخان الزيت ) على تصدير النسيج الشامي المشهور بجودته وإتقانه إلى فلسطين والعراق ، ثم جعل بعد الحرب العالمية الأولى يستورد بعض ما تحتاجه البلاد . وكان في التجارة راسخ القدم ، يقوم بأعبائها عن مقدرة وذكاء ، مع المحافظة على القواعد الشرعية والأصول الدينية ، فسلم اللّه تجارته من الضياع ، وله أيضا مكانة رفيعة وقدر عال بين التجار يقصدونه ويستشيرونه ، أو يلجؤون إليه يحكّمونه في خلافاتهم ، فيحكم فيها بما يوافق الدين والحق والمصلحة التجارية ؛ فينزلون عند حكمه ويرضون به « 1 » . ويعد صاحب الترجمة من الأعضاء المؤسسين لأكثر المعامل التي قامت عليها النهضة الصناعية الوطنية الحديثة ، عمل مع كبار التجار في تأسيس معمل الجوخ السوري ، وشركة الأسمنت ، وشركة المغازل والمناسج ، إضافة إلى المشاركة في أعمال ومشروعات كثيرة ، فليس عجيبا أن يكون بعدئذ عضوا من أبرز أعضاء الغرفة التجارية ، ولو رضي لكان رئيسا لها ؛ لكنه زاهد في الرياسة ، ولم يهتم بها . لم تعرف له مؤلفات ، ومن المظنون أنّ له كتابات وتعليقات في مسائل مختلفة ، أو بعض مؤلفات ورسائل احترقت مع مكتبته ، إلا أنّه كان يشارك في تحرير مجلة الحقائق ، ومجلة الهداية الإسلامية . عالم فاضل ، أحب العلم وأصحابه ، واهتم بمجالسهم ، وقرّب أهل الفضل ، حرص على الحلقات والدروس كل الحرص ، وكانت الكتب حياته يقتنيها ويجمعها بشغف وعناية ، سافر ابنه السيد ممدوح مرة إلى مصر ، فكلفه شراء ثلاث مئة كتاب ، ولما استكثر هذا العدد الكبير قال له : « يا بني إن الكتب حياتي ، ومتعتي في هذه الدنيا » . ولم تكن قراءته مع أصحابه قراءة سطحية عابرة ، بل كانوا يتعمقون ويبحثون ويستقصون ، ويرجعون في أثناء حلقاتهم المشتركة إلى أمات الكتب والمعجمات والرجال ، وكانت حلقاتهم دوّارة في البيوت . حضر معهم عدة مرات عالم القراءات الشيخ أحمد باكير ، وكان صاحب نكتة حلوة ، فقال لهم : « لماذا لا تجعلون لي حصة يكون فيها أحد الدروس في بيتي ؟ » فقال له الشيخ عبد القادر المبارك : « لا نستطيع ، لأنّ بيتك ليس فيه كتب المراجع » فقال الشيخ باكير : « أحمل الكتب التي تريديون من عند الشيخ محمود ياسين » فارتضوا وقرروا أن يكون الدرس في بيته ؛ وأرسل الشيخ باكير من ينقل عشرات الكتب ، واعترضتهم في الدرس كلمة - كانوا يقرؤون « رسالة

--> ( 1 ) كان في كل سوق عدد من التجار من أهل العلم أو الفضل هم عمدتهم ومرجعهم ، عرفوا بالاستقامة في الدين ، والخبرة في الدنيا ، من هؤلاء في سوق مدحة باشا : مسلم الطباع ، أحمد قشلان ، كمال الحفار ، عبد الحميد الطباع ، سعيد المارديني . وفي سوق البزورية : بنو الخطيب ( ديب الخطيب ، خير الخطيب ) ، بنو البزرة ، بنو أبي الشامات ، رشدي السكري ، وفي سوق الحميدية : حسن الطرابيشي ، وجيه الطرابيشي عيد الحلبي ، سامي جبري ، حسين كيوان . في سوق القلبقجية طه كيوان ، نجيب الخطيب ، عبد اللّه الجلاد ، منير نابلسي ، عبد الرحمن الخطيب ، عبد العزيز الخطيب ، نجيب كيوان . في سوق الحرير : مصطفى العمّار وغير هؤلاء .